الذهبي
254
سير أعلام النبلاء
هذا باطل ( 1 ) ، فقال : تدعي الغيب ؟ قلت : ما هذا ادعاء غيب . قال : فما الدليل على ما قلت ؟ قلت : سل عما قلت ، من يحسن مثل ما أحسن ، فإن اتفقنا علمت أنا لم نجازف [ ولم نقله إلا بفهم ] . قال : ( 2 ) ويقول أبو زرعة كقولك ؟ قلت : نعم ، قال : هذا عجب . قال : فكتب في كاغد ( 3 ) ألفاظي في تلك الأحاديث ، ثم رجع إلي ، وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث ، فقال : ما قلت إنه كذب ، قال أبو زرعة : هو باطل . قلت : الكذب والباطل واحد ، قال : وما قلت : إنه منكر ، قال : هو منكر ، كما قلت ، وما قلت : إنه صحيح ، قال : هو صحيح . ثم قال : ما أعجب هذا ! تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما . قلت : فعند ذلك علمت أنا لم نجازف ( 4 ) ، وأنا قلنا بعلم ومعرفة قد أوتيناه ، والدليل على صحة ما نقوله أن دينارا بهرجا يحمل إلى الناقد ، فيقول : هذا بهرج . فإن قيل له : من أين قلت : إن هذا بهرج ؟ هل كنت حاضرا حين بهرج هذا الدينار ؟ قال : لا . وإن قيل : أخبرك الذي بهرجه ؟ قال : لا . قيل : فمن أين قلت ؟ قال : علما رزقته . وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك ، وكذلك إذا حمل إلى جوهري فص ياقوت وفص زجاج ، يعرف ذا من ذا ، ويقول كذلك . وكذلك نحن رزقنا علما ، لا يتهيأ له أن نخبر [ ك ] كيف علمنا بأن هذا كذب ، أو هذا منكر ، فنعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه ، وأن يكون كلاما يصلح أن يكون كلام النبوة ، ونعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته .
--> ( 1 ) زاد في " الجرح " هنا : " وأن هذا الحديث كذب " . ( 2 ) وزاد هنا أيضا : " من هو الذي يحسن مثل ما تحسن ؟ قلت : أبو زرعة . قال : ويقول . . . " . ( 3 ) الكاغد : القرطاس . ( 4 ) عبارة " الجرح " : " قلت : فقد ذلك أنا لم نجازف " .